تاريخ : 9/28/2015 12:00:00 AM
معرف المحتوى: 538
نبذة حول تحقيق كتاب «الفصول المختارة»، في حوار مع حجة الإسلام حميد احمدي

نبذة حول تحقيق كتاب «الفصول المختارة»، في حوار مع حجة الإسلام حميد احمدي

بداية نرجو أن تحدّثنا حول کتاب الفصول المختارة الشريف المرتضى علم الهدى وما يتميّز به هذا الكتاب عن كتبه ومؤلّفاته الاخرى:

كتاب « الفصول المختارة من العيون والمحاسن» واحد من مؤلّفات المرحوم الشريف المرتضى علم الهدى  (۳۵۵-۴۳۱ هـ)، وربما يعتبر اكثرها اختلافاً عنها.

يمكن اختلاف هذا الكتاب عن كتبه الاخرى في أنّ المباحث التي جاءت فيه لا تمثل آراء الشريف المرتضى بشكل أساسي. وكما يتضح من عنوانه فهو عبارة عن مختارات من كتاب >العيون والمحاسن< لاستاذه الشيخ المفيد (۳۳۸ ـ ۴۱۳هـ).

في هذا الكتاب اضاف المرحوم الشريف المرتضى رحمه الله في بعض المواضع، موضوعات من عنده لإكمال آراء استاذه. ولكن معظم مواضيع الكتاب ـ كما ذكرنا ـ تمثل آراء استاذه المفيد.

يبدو أنّ المرحوم الشريف المرتضى قد انتقى تلك المواضيع من كتاب استاذه، عندما كان في أيام شبابه حيث لم يكن لديه استقلاله الفكرين وكتب هذا الكتاب استجابة لطلب أحد معارفه الذي كان يريد قراءته في السفر.

اسلوب البحث والمبادئ المطروحة في هذا الكتاب تختلف اختلافاً جذرياً عن اسلوب ومبادئ الشريف المرتضى في كتبه الاخرى التي تنمّ عن عطائه الفكري ومعقتداته الذاتية. الاسلوب الذي يسير عليه الشريف المرتضى في مباحث الجدل والمناظرات يقوم بشكل أساسي على متبنّياته في الاستنباط الذي لا يقبل فيها بحجيّة الخبر، وانّما يستند على سائر ادلة الاستنباط. وبالاضافة إلى ذلك يستند إلى قاعدة الاجماع إلى أبعد حدًّ ممكن.

تجدر الإشارة إلى أنّه عند بحثه مع المخالفين في سائر مؤلفاتهن يلتزم عادة ببعض معايير التقريبن وغالباً ما كان يتحاشى اساليب السبّ واللعن والتكفير وما شابه ذلك، كما أنّه كان ينتقد أيضاً بعض مباحث الغلو التي نشأت بين فرق الشيعة، وسعى على الاقل إلى استبعاد اثباتها عن محور الأحاديث، وبحثها ونقدها والتعاطي معها باسلوب العقل والمنطق والقرآن والاجماع.

هذا طبعاً على خلاف الشيخ المفيد الذي لم يلتزم أصلاً بهذه المبادئ أو أنّه قليلاً ما يلتزم بها وخاصة في المباحث التي جاءت في هذا الكتاب الذي هو عبارة عن مختارات من كتابه >العيون والمحاسن<. وعلى العموم فان هذا الكتاب لا يتشابه في أي وجه من الوجوه مع المؤلفات الاخرى للشريف المرتضى.

وهذا يعني أن هذا الكتاب يتناسب مع مؤتمر الشيخ المفيد اكثر مما يتناسب مع مؤتمر الشريف المرتضى رحمه الله، ولكن بما أن هذا الكتاب يُنسب إلى الشريف المرتضى وتوجد بين ثناياه أحياناً لمسات من أفكاره، وما يمكن التوصل إليه التحوّل الفكري الذي مرَّ به وذلك من خلال مقارنة هذا الكتاب مع كتبه الاخرى، لذلك فقد وُضعت مهمة تحقيق هذا الكتاب علمياً ضمن جدول نشاطات المؤتمر الدولي للشريف المرتضى، وانيطت بي مهمة انجاز هذا العمل.

* كيف جرت عملية تحقيق هذا الكتاب؟ وما هي الامور التي اخذتموها بنظر الاعتبار في اطار كتب مؤتمر الشريف المرتضى؟

لقد كانت ضرورة ملحّة لإعادة تحقيق هذا الكتاب، مثلما هو الحال بالنسبة إلى بعض المؤلفات الاخرى للشريف المرتضى. كما أن ضرورة إعادة تحقيق هذا الكتاب تبدو واضحة للعيان بكل جلاء لدى الباحثين في هذا المجال من خلال أدنى مقارنة، في ضوء الطبعات المحدودة السابقة التي لم تُراعى فيها كثيراً قواعد ومناهج التحقيق العلمي. وفي جميع هذه الطبعات لم يتمّ تعيين المخطوطة الأصلية، أو جرى التعويل على مخطوطة قليلة الاولوية جداً. وبالاضافة إلى ذلك تكتنف هذه الطبعات اخطاء وارباكات كثيرة في النص ـ سواء من الناحية الأدبية أم في خصوص اصول التنقيح العلمي، وهي من الكثرة والوضوح بحيث لا يمكن انكارها. وكذلك من حيث تخريج المواضيع وشرح الألفاظ والعبارات العويصة في النص، اذ لم يُنجز أي شيء من هذه الامور تقريباً في التحقيقات السابقة. ومثل هذه الطبعات كان الأجدر بها أن تُسمّى نشراً أو اصداراً وليس تحقيقاً.

والأهم من ذلك أن معظم المخطوطات التي تم الحصول عليها من هذا الكتاب، اُضيفت إليها مختارات من حكايات الشيخ المفيد، في حين أن هذه الاضافة لم تكن مدرجة في الطبعات السابقة من هذا النص.

في عملية التحقيق الجديدة التي نقوم بها حالياً على هذا الكتاب، أجرينا عملية بحث واستقصاء خارج نص هذا الكتاب، فضلاً عن بحوث اخرى في ما يتعلّق بمحتواه، وهذا ما سنذكره في مقدّمة الكتاب، وبالاضافة إلى هذا وذاك كانت خطوتنا الاولى على هذا الطريق هي اثراء السند الخطي لهذا الكتاب إلى أقصى ما يمكن. فهناك ۴۷ مخطوطة تم التعرّف عليها لهذا الكتاب في المكتبات داخل ايران وخارجها. وقد سعينا إلى تعيين الاولوية العلمية لكلّ منها في ضوء قواعد التعرّف على المخطوطات. وفي الختام حصلنا على ثلاث عشرة مخطوطة منها.

بعد ذلك تم التعرّف على النسخ الخمسة الأهم من بينها وجرت مقابلتها ومطابقتها بدقّة بعد أن جعلنا الأصل النسخة المطبوعة (في بيروت، مؤسسة التاريخ العربي)، وجرى تدوين وضبط الاختلافات المهمّة والمؤثرة طبقاً للسياقات الخاصة المعمول بها في عموم التحقيقات التي تجري من قبل مؤسسة دار الحديث في قم المقدّسة.

من حسن الحظ، في معظم المواطن التي جُعل فيها كتاب >الفصول المختارة< المطبوع هو الأصل، مرجوحاً أو كان فيه خطأ من الناحية الأدبية...

وفي مرحلة تقويم النص وقع الاختيار على النسخ الراجحة أو ذات المستندات المخطوطة الاكثر، ودوّنت النسخ الاخرى مع النص الأصلي المطبوع في الهامش.

نشير إلى أنّه حيثما كانت في النص كلمة أو عبارة تقتضي الشرح والتوضيح، قمنا بهذه العملية استناداً إلى كتب اللغة المعتبرة وكلام الشارحين في الحالات المشابهة. واما بالنسبة إلى الاقوال المنقولة في النص، فقد حاولنا جهد الامكان توثيقها استناداً إلى الكتب والمصادر السابقة إلى المجاميع الحديثية اللاحقة على عهد الشريف المرتضى رحمه الله.

من أهم الأعمال التي قمنا بها في عملية التحقيق الجديدة لهذا الكتاب هو التعريف بالأعلام والشخصيات التي ورد ذكر اسمائها فيه، وهي عادة شخصيات واسماء لم تتناولها الكتب ومصادر الرجال والتراجم بشكل منظم، وكان البحث حولها والتعريف بها يتطلب مزيداً من البحث التفصيلي.

في مقدّمة التحقيق عرضنا بحثاً علمياً مفصلاً حول نسبة هذا الكتاب إلى الشريف المرتضى رحمه الله، مع احتمال نسبته إلى الشيخ المفيد نفسه.

لابد من الإشارة إلى أنّه قد وردت بين دفّتي هذا الكتاب اسماء مصادر وشخصيات نادرة حتى أنّ قسماً منها لم يرد أي تعريف لها في المصادر المشهورة عند الشيعة وأهل السنّة. وقد قمنا بتعريفها وتقديم نبذة عنها جهد المستطاع في سياق عملية تحقيق هذا الكتاب.

* بيّنوا لنا بايجاز المخطوطات التي استندتم إليها في تحقيق هذا الكتاب.

المخطوطات التي وقع عليها الاختيار في تحقيق هذا الكتاب هي كالآتي:

۱. مخطوطة مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي (رحمه الله) در قم، المرقمة ۱/۱۳۹۴۰ مستنسخة في عام ۹۵۰ هـ،  عن مخطوطة‏ يعود تاريخ كتابتها الى عام ۶۰۱ هـ،[فهرست ۳۵/۴۶۹].

۲. مخطوطة كلّية  الآداب،جامعة طهران، المرقمة ۵۱، مكتوبة في القرن العاشر، وجرت مقابلتها بتاريخ ۱۰۹۲  هـ،[ف: ص ۷۸۷].

۳. مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي في ايران، المرقمة ۱۱۳۸۷، مكتوبة في القرنين التاسع والعاشر[ف  ۲/۳۰۳].

۴. مخطوطة مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي (رحمه الله) في قم، المرقمة ۱/۱۵۸۰۳، يعود تاريخ كتابتها الى عام ۱۲۷۶هـ، نسخاً عن مخطوطة كتبت تقريباًفي أوائل القرن التاسع،وجرت مقابلتها في عام ۱۰۹۰ هـ. [ف ۴۰/۱۷۴].

۵. مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي في ايران، المرقمة ۱/۹۷۳۸، يعود تاريخ كتابتها الى عام ۱۳۲۳ هـ، نسخاً عن مخطوطة كتبت في عام ۴۶۶ هـ،[۳۱/۷۳].

بالاضافة إلى ذلك هناك ثمان مخطوطات اخرى تم اختيارها والحصول عليها حسب ترتيب الأولوية، وكنا نرجع إليها عند الحاجة.

هذا الكتاب ليس على تلك الدرجة من الغِنى من حيث عدد المخطوطات. ومن المؤسف أنّه لم يُعثر على مخطوطة قديمة اخرى عدا ما ذُكر.

تجدر الإشارة إلى أن بعض فصول هذا الكتاب نقلها المرحوم العلاّمة المجلسي رحمه الله في كتاب بحار الانوار. وهذا يدل على أنّه كان لديه مخطوط، وعند المقارنة مع المخطوطات الاخرى، يبدو أنّ المخطوط الذي كان لديه أقوى مما سواه إلى حدًّ ما. ولهذا في مثل هذه الحالات، عُرض نص الكتاب على ما جاء في بحار الانوار. وفي بعض الموارد استُند إليه في ترجيح الراجحات.

بدأ تحقيق هذا الكتاب منذ أوائل عام ۲۰۱۴، واُنجز حتى الآن ما يقارب ستين بالمائة من التحقيق.

من المتوقع أن ينتهي انجاز هذا العمل بأكمله عند نهاية العام الحاليّ، وسيطبع في كتاب يناهز عدد صفحاته ۷۵۰ صفحة من الحجم الوزيري ضمن سلسلة تراث الشريف المرتضى رحمه الله.